الطفلة الغلبانة قلعت الجاكيت الوحيد
حاجة محتاجاها، كل طلب، كل حاجة، تتنفذ فوراً ومن غير أي كلام.
ساعد عم حسن يقوم من على الدكة، وشاله بنفسه لحد العربية، وغطاه بأغلى وأدفأ الغطايات، وقعد جنبه، وطلب من نجوى ودنيا يقعدوا معاهم، ومشيو بكل هدوء وسرعة، وهمس لنجوى
من النهاردة يا مدام، حياتكم اتغيرت.. من النهاردة مش هتشوفوا برد ولا جوع ولا تعب ولا ۏجع تاني أبداً.. من النهاردة أنتم في أمان، وأنتم ملكات، وأنتم أغلى ما أملك.. والفضل كله لدنيا، البنت اللي علمتني معنى الإنسانية، وعلمتني إن الخير لسه موجود، وإن الحنية لسه بتحرك الدنيا.
راحوا كلهم لقصر مراد الكبير، القصر اللي كان محاط بحراسة مشددة، واللي كان كل الناس پتخاف تقرب منه، واللي بقي من النهاردة بيت لعم حسن، وبيت لنجوى ودنيا، وبيت لكل الخير اللي جابوه معاهم.
أمر مراد كل الأطباء في البلد يجوا يكشفوا على عم حسن، ويعالجوا كل أمراضه، وكل چروحه، وكل تعب السنين، واهتم بيه بنفسه، وقعد جنبه كل ليلة، وسمع منه كل حكاية، وكل ذكرى، وكل تفصيل، وعرف كل حاجة عن أصله وعن عيلته وعن تاريخه.
واهتم بنجوى ودنيا، جهز لهم أجمل وأكبر وأدفأ الأوض في القصر، اشترى لدنيا كل اللي تتمناه، كل لعب، كل ملابس، كل حاجة كانت تحلم بيها، وعمل لها أحسن مدارس، وجاب لها أحسن معلمين، وعاملها زي بنته بالظبط، وأكتر.
وكان دايماً يقول لدنيا
أنتِ حفيدتي يا دنيا.. أنتِ اللي رجعت لي كل حاجة، وأنتِ اللي جبت لي عم حسن، وأنتِ اللي علمتني الحنية والخير.. ومهما عملت لك، مش هكفيكِ حقك، ومش هكفيكِ الجميل اللي في رقبتي لحد ما أموت.
وبدأ مراد يحرك كل إمبراطوريته، كل رجاله، كل علاقاته، كل قوته، وبدأ يجمع كل الأدلة، كل الأوراق، كل الشهود، كل الحقائق، وبدأ يكشف كل اللي حصل، وبدأ يواجه كل الناس اللي كانوا السبب في ظلمه وفي ظلم عيلته وفي ظلم عم حسن.. وكل واحد كان ليه يد في الچريمة، كان بياخد جزائه، وكل واحد كان سرق أو أخذ حاجة مش بتاعته، كانت بتترجع لأصحابها، وكل واحد كان غدر أو خدع أو أذى، كان بيعرف معنى العدالة اللي بتأتي مهما طال الزمن.
وكان الكل بيتساءلوا إيه اللي غير مراد السلحدار؟ إيه اللي خلى الراجل القاسې والجبروت ده يبقى طيب وحنون ورحيم؟ وإيه اللي خلى كل أعماله بقت للخير، وكل فلوسه بقت للمساعدة، وكل قوته بقت لحماية الغلابة والمظلومين؟
وكان الجواب دايماً هو دنيا.. الطفلة الصغيرة اللي قلعت الجاكيت الوحيد اللي حيلتها في عز البرد، ودفّت بيه راجل عجوز مېت من الساقعة، وغيرت بها حياة ناس، وغيرت بها تاريخ، وغيرت بها الدنيا كلها.
عدت السنين، وكبرت دنيا، وبقت بنت جميلة وذكية ومتعلمة ومحترمة، وبقت جنب مراد السلحدار، وبقت السند
والضهر والعزوة، وبقت اللي بيدير معاه كل أعماله، وكل جمعياته الخيرية، وكل مشاريعه اللي كانت بتهدف لمساعدة الناس، ومساعدة الغلابة، ومساعدة الأيتام، ومساعدة كل محتاج.
وعم حسن عاش باقي عمره في أمان ودفا وسعادة، محاط بكل الحب والاهتمام، ومش بيفارق مراد ولا دنيا أبداً، وكان دايماً يقول
شفت الدنيا كلها، وشفت كل حالاتها، وشفت الخير والشړ، وشفت الغدر والوفاء، وعرفت إن الخير مهما كان صغير، ومهما كان بسيط، ومهما كان من طفلة صغيرة، بيبقى كبير قوي عند ربنا، وبيرجع لصاحبه أضعاف ومضاعفات خير وسعادة وبركة.
وكانت نجوى عايشة في أمان وراحة، بعد كل السنين اللي شقت فيها وتعبت فيها، وبقت ملكة في القصر، وبقت أم لكل الناس، وبقت اللي بتعلم دنيا الطيبة والحنية والكرامة، واللي كانت دايماً تقول لها
متنساش أبداً يا بنتي، إنك مهما كبرتي، ومهما بقيتي غنية وقوية ومحترمة، تفضلي البنت الطيبة اللي قلعت جاكيتها عشان تدفي راجل عجوز.. وتفضلي دايماً الخير اللي جاب لنا كل الخير ده.
وظلت قصة دنيا ومراد وعم حسن ونجوى، تتحكى في كل مكان، وتدرس في المدارس والجامعات، كنموذج للخير، وللحنية، وللكرم، وللإنسانية، ولإن الطيبة مهما كانت صغيرة، بتعمل معجزات، وبتغير مصير ناس، وبتفتح أبواب رزق مكنش متخيلينها أبداً.
وكانت دايماً بداية القصة ونهايتها هي نفس الكلام
الخير اللي تعمله النهاردة، مهما كان صغير، ومهما كان بسيط، ومهما كان مش واخد بالك منه، بيجي يوم ويرجع ليكِ أضعاف ومضاعفات، وبيرجع ليكِ في الوقت اللي أنتِ محتاجاه أكتر من أي حاجة.. والقلوب الطيبة هي اللي بتفضل، وهي اللي بتنجينا، وهي اللي بتخلق المعجزات في الدنيا.
وهكذا كانت النهاية.. نهاية بدأت بليلة برد، وبجاكيت صغير، وبحنية طفلة صغيرة، وانتهت بملوك عايشين في سعادة وأمان، وبعدالة ربنا اللي مبتخيبش أبداً أمل الطيبين، وبتثبت للدنيا كلها إن لكل مجتهد نصيب، وإن الخير دايماً بيعلو ولا يعلى عليه، وإن القدر بيجمع الطيبين دايماً في النهاية.