الطفلة الغلبانة قلعت الجاكيت الوحيد
وعشان الشقة بعيد عن الموقف بست شوارع، وعشان نجوى بتشتغل من نجمة الصبح في محل فلاتر والظهر في كشك سجاير، ومفيش وقت، ومفيش فلوس، ومفيش دفا كفاية في البيت. الجاكيت البمبي ده كان شرياه ب 50 جنيه من سوق الجمعة، نجوى غسلته مرتين وخيطت كمّه المقطوع وقالت لبنتها ده جديد نوفي، ودنيا صدقتها، ودلوقتي الجاكيت بقى مع راجل غريب. العجوز همس شكراً يا بنتي، فدنيا هزت راسها كأن الموضوع خلص وبصت لأمها يلا يا ماما عشان ميفوتناش الأتوبيس. نجوى كان نفسها تزعق لها، كان نفسها تفهمها إن الحنية مبتدفعش فواتير الغاز، وإن الدنيا مبترحمش الغلابة اللي بيطلعوا اللي حيلتهم للناس، وإن طفلة معندهاش غير جاكيت واحد متقدرش تعمل فيها شيخ جامع. بس نجوى مقدرتش تنطق، وقلعت بالطو الشغل بتاعها وحطته على كتاف بنتها وقفلته لحد الرقبة، البالطو كان واسع ومبهوق على دنيا ومغطيها كلها، فالبنت قالت لأ يا ماما أنتِ كده هتقفي في البرد، فنجوى اتسمت وقالت أنا أمك.. وجسمي متعود على الشقى. على الناحية التانية، مراد السلحدار نزل التليفون من على ودنه. بقاله أربع دقائق قاعد في العربية مستني ذراعه اليمين يرجع له بورقة مهمة من العمارة اللي قصاده، مراد عنده مية رسالة مش مقروءة، ومكالمات فايتة، وميعاد بعد ساعة مع رجالة ضحكتهم شبه السكاكين، بس كل ده مبقاش ليه لازمة دلوقتي. هو شاف البنت وهي بتقف، وشاف القرار وهو بيترسم على وشها، وشافها وهي بتقدم كل اللي تملكه في الضلمة ومن غير ما تبص حواليها تشوف حد شايفها ولا لأ. مراد بنى إمبراطوريته كلها على مراقبة الناس لما بيفتكروا إن محدش مهم شايفهم؛ هو عارف الكرم المزيف، وحضر حفلات تبرعات ورجال أعمال بيدفعوا شيكات والمصورين واقفين، وشاف سياسيين بيوزعوا شنط رمضان عشان يلموا قصادها جمايل في الانتخابات. هو عارف كل أنواع الخير اللي طالع ب وصل وفاتورة، بس عمره ما شاف المنظر ده! الباب بتاع العربية اتفتح، ومراد نزل بنفسه في وسط البرد والمطر الشديد. نجوى سمعت صوت الباب ورجلين بتقرب وراهم، جسمها اتنفض غريزة حماية، شدت بنتها ولفت بسرعة. راجل طويل، لابس بالطو جوخ فخم، واقف على بعد خطوتين، إيديه باينة وملامحه هادية وموزونة.. راجل من نظرة واحدة تعرف إنه مش ساهل وعمره ما يكون مالوش أذى. قال بنبرة هادية يا مدام.. أنا مش جاي أخوفك. نجوى ردت بقوة وخوف مكتوم طالما مش جاي تخوفنا.. بتنزل من عربيتك وتمشي ورا حريم وعيال في الموقف ليه بالليل؟. لمعة احترام ظهرت في عين مراد، وقلع البلطو الفخم بتاعه، ومد إيده بيه من غير ما يقرب خطوة زيادة وقال كلمة واحدة خدي ده. نجوى ردت بحدة لأ.. مش هاخده. مراد