حمايا وصفها بـ الست الناقصة وطردها
قبل أن يضر غيره. أما رؤية الأبناء، فهذا حقك الشرعي، ولن أمنعه عنك، بشرط أن يكون ذلك في إطار يحترم كرامتهم، ولا يسبب لهم أي ارتباك أو أذى. لكن تذكر أنهم كبروا في غيابك، وأنك لم تكن جزءاً من حياتهم، وسيأخذ الأمر وقتاً طويلاً لكي يبنوا علاقة معك، إذا أرادوا ذلك في المستقبل.
الجزء الخامس
مرت الأشهر والسنوات، وتغيرت أمور كثيرة في حياة الجميع. عائلة الهواري بدأت تتعلم درسها، وبدأت الحجة ربيعة تتخلى عن كبريائها، وتعترف بخطئها، وتطلب العفو من منال، وتحاول أن تتعرف على أحفادها، وتقضي وقتاً معهم، وتعوض ما فات، وإن كان الندم لم يمحِ الماضي، لكنه جعلها تعيش بسلام ضمير لم تكن تعرفه من قبل.
شريف حاول بكل ما يملك أن يكون أباً جيداً لأبنائه، يزورهم، يشاركهم في دراستهم، في رحلاتهم، في مناسباتهم، وبدأ الأطفال يتقبلونه تدريجياً، ويعرفون أن لديهم أباً يحاول أن يصحح أخطاءه، وإن كانوا يظلون دائماً مرتبطين بأمهم، التي كانت لهم الأم والأب والملاذ الآمن في كل مراحل حياتهم.
أما كارما، فقد انفصلت عن شريف بعد سنوات قليلة، حيث أدركت أن زواجها لم يكن يحمل أي معنى، وأنها لم تستطع أن تحل محل منال، ولم تستطع أن تمنح شريف السعادة التي كان يبحث عنها، وذهبت في طريقها، تعيش حياتها الخاصة، وتتعلم هي الأخرى أن الحياة لا تمنح السعادة لمن يبنيها على حساب غيره.
منال، بدورها، أصبحت سيدة أعمال ناجحة، تدير جزءاً كبيراً من ثروة عائلتها، وتساعد المحتاجين، وتدعم العائلات التي تمر بظروف صعبة، خاصة النساء اللواتي يواجهن نفس المشاكل التي واجهتها، وتنصحهن بالصبر والكرامة، وعدم الاستسلام للظلم أو الأحكام المسبقة.
أبناؤها كبروا، وأصبحوا شباناً وشابات ناجحين، كل في مجاله، يحملون قيم الصدق والاحترام والعدل، ويعرفون قصة والدتهم، ويعتبرونها مثالاً للصبر والقوة، ويعلمون أن كل ما وصلوا إليه هو نتيجة لصبر أمهم وثقتها بالله.
في أحد الأيام، جلس شريف مع منال، وتحدثا بصراحة وهدوء، دون أي ڠضب أو حزن، وقال لها
لو عاد بي الزمن، لفعلت كل شيء مختلفاً، لوقفت بجانبك، ولسمعتك، ولعرفت الحقيقة قبل أن أحكم، لكن الحياة لا تعيد الماضي، ولا تعطينا فرصة ثانية إلا في ما نفعله الآن. أنا فخور جداً بأبنائنا، وفخور بأنكِ أمهم، وإن كنت أتمنى لو كنت معكم من البداية.
ردت عليه منال بابتسامة هادئة
الماضي درس، والحاضر هدية، والمستقبل أمل. كل ما حدث كان له سبب، وكل ما مررنا به جعلنا أقوى، وجعلنا نفهم الحياة بشكل أفضل. المهم أننا الآن نعيش بسلام، وأن الحق عاد إلى أصحابه، وأن الحقيقة ظهرت كما يجب.
الجزء السادس
ومرت السنوات، وانتشرت قصة منال في دوائر المجتمع، وتحولت إلى قصة عبرة، يُحكى للشباب والفتيات، لتعلمهم أن الحكم على الناس من المظهر أو من قدرتهم على تحقيق ما يريده الآخرون هو حكم خاطئ، وأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في صبره، وكرامته، وإيمانه بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
عائلة الهواري، التي كانت تُعرف بالكبرياء والغرور، أصبحت تُعرف بعد ذلك بالتواضع، وبدأت تغير طريقة تعاملها مع الناس، وتفهم أن الرزق بيد الله، وأن كل شيء في الحياة له وقت وسبب، وأن ما يظنه الإنسان عيباً قد يكون في الحقيقة نعمة يخفيها الله لوقتها المناسب.
أما منال، فقد عاشت حياة مليئة بالسکينة والنجاح، محاطة بأبنائها، وعائلتها، وأحفادها فيما بعد، وكانت دائماً تقول لمن يسألها عن سر صمودها
الصبر ليس ضعفاً، والكتمان ليس خوفاً، بل هو ثقة بأن
الله سيدبر الأمور على أحسن وجه، وأن الحقيقة لا تُدفن مهما حاول البشر ډفنها، وأن الظلم مهما طال لا يدوم، وأن الله يعوض الصابرين دائماً بأفضل مما فقدوه.
وهكذا انتهت القصة.. بدأت بظلم واتهام، ومرت بسنوات من الصبر والانتظار، وانتهت بانتصار الحقيقة، وعودة الحق، وتعلم الجميع درساً لن ينسوه، وهو أن من يحكم على غيره بجهله، يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، وأن ما يخفيه الغد قد يكون أفضل بكثير مما يتوقعه البشر، وأن الله سبحانه وتعالى هو العدل الحكيم، يضع كل شيء في موضعه المناسب، وفي الوقت المناسب.