كنت في الشهر الثامن من حملي لما
بيقرب منها، ومحدش عايزها، وعاشت باقي عمرها نادمة على كل كلمة قالتها، وعلى كل فعل عملته، وعلى كل خطة دبرتها، وعرفت إن كيد النسوان بېموت أحياناً بصاحبته.
وكل الناس اللي كانوا معاهم، واللي كانوا بيشجعوهم، واللي كانوا بيأيدوهم، واللي كانوا بيضحكوا عليا وبيشمتوا فيا، كلهم اختفوا، وكلهم ابتعدوا، وكلهم خافوا، وعرفوا إنهم كانوا غلطانين، وعرفوا إنهم كانوا بيقفوا في صف الباطل، وعرفوا إن الحق ليه كلمة وبيجي يوم وينطق.
الجزء الخامس
وجاء اليوم اللي كنت مستنياه من شهور، يوم اللي ربنا يكرمني فيه ويجيب لي أغلى هدية في الدنيا.. يوم ولادة ابني.. دخلت المستشفى، وكنت مطمنة قوي، وأبويا وأمي جنبي، والدكاترة أحسن الدكاترة، وكل حاجة مجهزة، وكل حاجة تمام.. وطلع لنا رأفت.. سميته على اسم أبويا، عشان يكون زيه، عشان يكون قوي، عشان يكون طيب، عشان يكون سند لي ولغيره، عشان يكون راجل بجد.
كان جميل قوي، شبهي وشبه أبويا، وشبه جده، وكل ما بشوفه بحس إن كل اللي حصل كان عشان يجي هو، وعشان يكون لي، وعشان يكون نور حياتي.. وكنت دايماً أحضنه وأقول له
جيت ليا يا حبيبي.. جيت عشان تعوضني كل حاجة.. جيت عشان تكون كل حاجة ليا.. ومحدش يقدر يأذيك ولا يأذيني أبداً طول ما احنا مع بعض.
وكبر رأفت، وبقى شاطر ومؤدب وذكي، وكان دايماً جنب جده، ودايماً يتعلم منه، ودايماً يسمع منه قصص الرجولة والكرامة والحق والعدالة.. وكان أبويا دايماً يقول له
يا حبيبي.. الدنيا دي مليانة ناس وحشين، ومليانة ناس طماعين، ومليانة ناس قاسيين.. ومفيش أحسن من إنك تكون طيب، بس قوي.. تكون حنون، بس صلب.. تكون كريم، بس عارف مين يستاهل ومين لأ.. وتعرف إن الحق مهما طال، بيجي يوم وينتصر، وإن الظلم مهما كبر، بيجي يوم وينتهي.. وإن أهم حاجة في الدنيا، إنك تحافظ على كرامتك، وعلى أهلك، وعلى نفسك، ومتسمحش لحد أبداً يذلّك أو يهينك أو يأذيك، مهما كان غنياً أو قوياً أو كبيراً.
وعشت حياتي كلها سعيدة، هادية، مطمنة، محاطة بحب أهلي وحب ابني وحب كل الناس الطيبين اللي عرفتهم.. ونسيت كل اللي حصل، ونسيت كل ۏجع، ونسيت كل خوف، ونسيت كل ذكرى وحشة، ومبقتش أفتكرها غير لما عايزة أتأكد إنها انتهت وإنها ورايا وإنها مش هترجع أبداً.
وكانت دايماً قصتي تتحكى في كل مكان، قصة الست اللي اختارت تكون غلبانة عشان تختبر إنسان، وطلع أقل من القليل، وطلع مچرم، وطلع وحش، وطلع طامع.. وقصة الأب اللي خبى كل حاجة، وانتظر اللحظة المناسبة، وجاء في الوقت المناسب، وكشف كل حقيقة، وانتقم لبنته، واخدل كل ظالم.. وكانت عبرة لكل بنت، ودرس لكل أب، وعظة لكل إنسان.
وكانت دايماً أقول لنفسي وللناس
متخافوش من الحق أبداً.. ومتخافوش تقولوا الحقيقة.. ومتسمحوش لحد يذلكم أو يهينكم أو يأذيكم مهما كان السبب.. واعرفوا إن ربنا معاكم، وإن ربنا بيسمعكم، وإن ربنا بيجيبلكم الڤرج في الوقت اللي انتوا مش متوقعوه.. وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وإن الكرامة أغلى من أي فلوس، وأغلى من أي جاه، وأغلى من أي حاجة في الدنيا.. وإن اللي بيحافظ على كرامته، ربنا بيحفظه، وبيكرمه، وبيعزه، وبيخليه فوق كل راس.
وهكذا كانت النهاية.. نهاية بدأت بۏجع وضړب وإهانة ومؤامرات وسر مدفون، وانتهت بفرح وسعادة وكرامة وعزة واڼتقام.. وأثبتت للدنيا كلها إن ربنا بيأخذ الحق ولو بعد حين، وإن الظالم مهما علا شأنه وكبر نفوذه وغنى ماله، ليه يوم وبيجي عليه الدور وينهار وينتهي،
وإن المظلوم مهما كان ضعيفاً ومهما كان وحيداً، ربنا بيجعل له من القوة والنصرة ما يهدم به كل جبروت وكل ظلم وكل شړ.