هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة

موقع أيام نيوز


بلدية متوقفة قرب بيت مهجور. سمع صړاخا. رأى رجلين يدخلان ويخرجان. وتعرف على أحدهما كان مسؤولا ذا نفوذ. لم يذكر الاسم لكن لوسيا عرفت فورا من يقصد. قال إنه غادر البلدة بعد أسابيع ولم يخبر أحدا. حتى الآن.
دونت لوسيا كل شيء وسجلت شهادته بإذنه. كانت تعلم أن ذلك لن يغير كثيرا قانونيا فالأزمنة القضائية مضت والمسؤولون المباشرون ماتوا أو حمتهم التقادمات. لكنها كانت تعلم أيضا أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى محكمة كي تكون حقيقية.
وصلت الشهادة إلى كارمن عبر لوسيا. استمعتا إليها معا بصمت. لم تبك كارمن ولم تصرخ. أغمضت عينيها وأخذت نفسا طويلا. وحين انتهى التسجيل قالت شيئا فاجأ لوسيا الآن نعم.
لم تشرح أكثر. لكن لأول مرة منذ سنوات لم ترتجف نبرتها.
بعد أيام طلبت كارمن أن تتحدث في الإذاعة المحلية. لم توافق سابقا أبدا. جاءت ومعها دفتر. لم تقرأ كل شيء. قرأت جملا قليلة. تحدثت عن مارينا كابنة لا كضحېة. روت حكايات صغيرة ضحكات مشاحنات أحلام. ثم تحدثت عن الصمت وعن كيف يورث الخۏف وعن كيف أن كسره مؤلم لكنه شفاء.
تلقى البرنامج عشرات الاتصالات. بعضها داعم وبعضها مزعج. قال رجل إن هذا يكفي. ردت كارمن بهدوء الذي كان كافيا هو الصمت.
ظلت هذه العبارة تتردد في البلدة أسابيع.
أما الأرض التي كان البيت عليها فبقيت خالية. ناقش المجلس ماذا يفعل بها. بعد جدال طويل اتفقوا على أن يكون هناك مكان أخضر وشجرة ولوحة صغيرة كي لا يتكرر الأمر. كان الافتتاح متواضعا كما أرادوا. حضرت كارمن. حضرت لوسيا. جاء رودريغو وطلب الصفح. أمسكت كارمن بيده وقالت إنه لا ذنب عليه وإن مارينا عادت بفضله.
في تلك الليلة كتبت كارمن الرسالة الأخيرة. لا لأنها لم تعد تملك ما تقول بل لأنها شعرت لأول مرة أن الكلام لم يعد يخرج منها وحدها البلدة بدأت أخيرا ترد.
مرت الشهور وبدأ الضجيج الأول يهدأ. توقفت البرامج عن ذكر القضية. رحل الصحفيون. انشغلت الشبكات الاجتماعية پغضب جديد. لكن الصمت الذي عاد لم يكن صمت الأمس لم يعد فراغا مفروضا بل مساحة أصدق. صار كل جار يعرف ما الأسئلة التي بقيت معلقة وإن بلا جواب نهائي.
بدأت كارمن تنام أفضل. ليس كل ليلة لكن بعض الليالي. كانت ترى مارينا في الأحلام بطريقة جديدة لم تعد ضائعة ولا خائڤة. في الأحلام كانت جالسة على طاولة المطبخ أو تمشي في شارع بيلغرانو وحقيبتها البنية على كتفها. أحيانا لا تقول شيئا وأحيانا تبتسم. كانت كارمن تستيقظ باكية نعم لكن مع هدوء لم تعرفه من قبل.
واصلت لوسيا عملها. أصدرت كتابا صغيرا يضم شهادات من الإقليم. لم توقعه وحدها أصرت أن يكون عملا جماعيا. في العرض قالت إن الذاكرة ليست خطا مستقيما بل أرضا نعود إليها مرات كثيرة من زوايا مختلفة.
أما الرجل الذي قدم الشهادة المجهولة فلم يظهر مجددا. لم يسمع أحد عنه شيئا. فهمت لوسيا أنه قال كل ما استطاع. أحيانا تكون الشجاعة أن تقول مرة واحدة ثم تمضي.
قررت البلدية بعد نقاشات طويلة إدراج قضية مارينا سانتوس رسميا في الأرشيف التاريخي المحلي لا كملف شرطة بل كجزء من تاريخ البلدة. أنشئ ركن صغير في المكتبة العامة صور قصاصات صحف وثائق روايات. كل شيء متاح للجميع بلا تهويل ولا إخفاء.
زارت مجموعة من طلاب الثانوية المكتبة ضمن نشاط مدرسي. اقتربت فتاة في الخامسة عشرة من كارمن بعد ذلك بخجل وقالت إنها تريد دراسة الخدمة الاجتماعية وإنها قرأت قصة مارينا ولا تستطيع التوقف عن التفكير فيها. استمعت كارمن باهتمام وشكرتها. وعندما غادرت الفتاة فهمت كارمن شيئا لم تستطع صياغته سابقا الذاكرة لا تعيد ما فقد لكنها تغير ما سيأتي.
حل العام الخمسون على اختفاء مارينا دون مراسم رسمية كبيرة. لم يرد أحد تحويله إلى احتفال فارغ. لكن حدث شيء مسيرة صامتة غير منظمة لكنها وقعت. أناس يخرجون من بيوتهم يلتقون في الشوارع ويسيرون نحو المكان الأخضر. بعضهم يحمل زهورا وبعضهم لا. لم يتحدث أحد. لم تكن هناك حاجة.
تركت كارمن رسالة مطوية عند جذع الشجرة. لم تقرأها بصوت عال. لم تكن للجمهور. كانت لها ولمارينا وللفتاة التي كانتها وللمرأة التي صارتها.
في تلك الليلة حين عادت إلى بيتها فتحت صندوقا أبقته مغلقا عقودا. في داخله كانت الرسائل والصور والأشياء الصغيرة. هذه المرة لم تنظر إليها بعجلة الألم بل ببطء الاعتراف. صار لكل شيء مكانه. لم ترم أي قطعة ولم يخف شيء.
قبل أن تنام أطفأت كارمن الضوء وبقيت تحدق في السقف لحظة. فكرت في الماضي نعم لكنها فكرت أيضا في الغد في الخبز الذي ستشتريه في الاتصال الذي عليها إجراؤه في الحياة التي تستمر لا رغم كل شيء بل وهي محمولة بكل شيء.
لم تصبح سان فيسنتي ديل سور بلدة مثالية. بقيت فيها مشكلات وظلم وخلافات. لكن شيئا أساسيا تغير لم يعد ممكنا أن تتظاهر بأنها لا تعرف. وهذا المعرفة المزعجة المستمرة أصبحت شكلا من أشكال العناية.
لم تكن قصة مارينا ذات نهاية سعيدة لكن كان لها ما بدا مستحيلا طويلا حقيقة مشتركة. وفي تلك الحقيقة الناقصة والمتأخرة وجدت البلدة طريقة لتواصل السير دون أن تتركها خلفها.
لأن هناك أسماء لا تعود لكنها أيضا لا ترحل تماما. تبقى كالجذور تسند ما لا يزال يمكن أن ينمو.

 

تم نسخ الرابط