هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة

موقع أيام نيوز


شيء. عند زاوية شارع بيلغرانو افترقتا كالمعتاد. كان وداعا طبيعيا بلا عناق طويل ولا نذر سيئة. شدت مارينا حقيبتها البنية على كتفها وتابعت طريقها جنوبا.
ولم تصل.
حين دقت الساعة السادسة مساء ولم تعد مارينا إلى البيت بدأت كارمن سانتوس تقلق. كانت تعرف ابنتها وتعرف أنها لا تتأخر دون أن تخبر. عند السابعة تحول القلق إلى خوف. وعند الثامنة إلى يأس. خرج خورخي سانتوس إلى الشوارع القريبة سأل الجيران دخل المتاجر. لم يرها أحد.
في مركز الشرطة استمع المفوض هيكتور رويث إلى الرواية بملامح متعبة. لم يكن رجلا قاسېا لكنه كان رجلا اعتاد التقليل من الأمور. في تلك السنوات كانت أمور كثيرة تكنس تحت السجادة. كانت الاختفاءات تفسر بالهروب أو بقرارات طائشة أو بصمت مريح. أصر خورخي ضړب المكتب وطالب أن يبحثوا عن ابنته. وعد رويث بإرسال دوريات لكن نبرته لم تحمل استعجالا.
ضاعت الساعات الأولى في إجراءات بطيئة وبحث سطحي. فتشت الساحات وسئل في بيوت الصديقات وجابت الدوريات الشوارع الرئيسية. لم يفكر أحد في النظر أبعد في الأماكن غير المريحة في البيوت المهجورة في الأقبية المسدودة.
ومع مرور الأيام بدأ الملف يبرد. ظهرت الشائعات إن مارينا ذهبت مع حبيب أكبر سنا أو إن أحدا رآها تصعد سيارة أو إنها عبرت إلى بلدة أخرى. كانت كل رواية تكرر ثم تتشوه حتى دفنت الحقيقة تحت طبقات من التخمين.
توقفت كارمن عن النوم. شاخ خورخي فجأة. بقيت غرفة مارينا على حالها سنوات كأنها محراب صامت. لم تعد حقيبة الظهر البنية تظهر. أو هكذا ظن الجميع.
حتى جاء اليوم الذي بعد ثلاثين عاما انهار فيه جدار زائف تحت ضړبة معول وأجبر البلدة كلها على النظر في وجه ما قررت نسيانه.
انتشر الخبر بسرعة. هيكل عظمي عثر عليه في بيت قديم. وربما لفتاة شابة. بدأ الجيران يربطون نقاطا ظلت منفصلة عقودا. تذكر بعضهم اختفاء مارينا فيما فضل آخرون الصمت. ففي بلدة صغيرة الصمت أيضا شكل من أشكال البقاء.
وتحت ذلك البيت بين الغبار والطوب كانت الحقيقة تنتظر.
هز العثور على الهيكل العظمي سان فيسنتي ديل سور كما يهز زلزال متأخر. لم يكن وقعا فوريا انفجاريا بل كان شيئا أبطأ وأعمق كشق ينفتح ببطء تحت الأقدام. في البداية جرى تداول الخبر بحذر جسد وجد في بيت قديم لا شيء مؤكد. لكن في القرى الصغيرة لا تبقى الكلمات ساكنة تتغير وتكبر وتتلون. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة صار الجميع يتحدث عن فتاة اختفت منذ عقود.
أرسلت الشرطة الإقليمية فريقا جنائيا كاملا. أغلق القبو وخضع البيت للحراسة. استدعي خوسيه كارلوس مينديز للإدلاء بإفادته في الليلة نفسها. روى كل شيء بدقة كل ضړبة معول الصوت الأجوف شعاع المصباح وهو يخترق الداخل. وكان يكرر جملة واحدة كأنها اعتذار لم نكن نعلم أنه هناك. لم يكن أحد يعلم أو هكذا قالوا.
نقلت العظام بعناية شديدة. كل عظمة كل خيط قماش كل غرض جرى توثيقه. لفتت حقيبة الظهر البنية الانتباه فورا. كانت يابسة لكنها محفوظة على نحو مدهش. في داخلها وجدوا دفاتر شبه غير مقروءة ومقلمة ومنديلا مطرزا بحرفين بالكاد يظهران م. س. حرفان لم يعنيا شيئا للبعض لكنهما كانا ضړبة في الصدر لآخرين.
حين ظهر اسم مارينا سانتوس في التقارير الأولية عاد الماضي دون استئذان.
كانت كارمن سانتوس جالسة في المطبخ حين رن الهاتف. جعلها الصوت ترتجف. لعقود كانت تعيش مع هذه الرعشة كأن كل مكالمة قد تحمل الخبر الذي لم يصل. على الطرف الآخر طلب صوت رسمي تأكيد هويتها. ثم قال كلمات انتظرتها وخشيتها ثلاثين عاما عثر على بقايا بشړية ويعتقد أنها قد تكون لابنتها.
لم تصرخ. لم تبك. بقيت صامتة يدها على الطاولة تشعر بأن شيئا ما يستقر في داخلها بطريقة موجعة لكنها نهائية. كان عدم المعرفة چرحا مفتوحا. أما المعرفة حتى لو كانت الأسوأ فشيء آخر.
لم يكن خورخي موجودا لسماع الخبر. ماټ قبل عشر سنوات وحمل معه شعور الذنب لأنه لم يجد مارينا ولأنه لم يفعل أكثر ولأنه لم يعرف أين يبحث. فكرت كارمن فيه تلك الليلة. كيف كان سيرد ربما كان سيضرب جدارا أو يطالب بالعدالة صائحا أو يبكي كما لم يسمح لنفسه قط.
كان تحديد الهوية بطيئا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان مقارنة بسجلات قديمة. كل خطوة كانت تطيل الانتظار وتزيد النتيجة واقعية. وفي أثناء ذلك كانت البلدة تراقب بعضهم بفضول بعضهم پخوف. لأن وجود مارينا هناك كل هذا الزمن يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.
بدأ الصحفيون يصلون أولا من الإذاعات المحلية ثم قنوات إقليمية. كاميرات أمام المخفر ميكروفونات ممدودة أسئلة محرجة. كان المفوض هيكتور رويث قد تقاعد لكن اسمه عاد يتردد. دافع عنه بعضهم واتهمه آخرون. ففي عام 1976 كان أعلى سلطة شرطية في البلدة وكانت القرارات أو غيابها تمر من يديه.
كان للبيت الذي عثر فيه على الچثة تاريخ. كان قد يعود لعائلة غادرت منتصف السبعينيات. ظل مهجورا سنوات يتنقل بين ملاك دون أن يسكنه أحد طويلا. مكان منسي مثالي لإخفاء ما لا يجب أن يعثر عليه.
أكد خبراء الطب الشرعي أن البقايا ظلت في ذلك المكان عقودا. لم يمكن تحديد سبب الۏفاة يقينا لكن كانت هناك مؤشرات واضحة على عڼف. لم تهرب مارينا. لم تختف بإرادتها. لم تختر الغياب.
حين تلقت كارمن التأكيد الرسمي طلبت أن ترى حقيبة مارينا. عرضت عليها في غرفة بيضاء تحت ضوء اصطناعي. ما إن رأتها حتى ارتجفت يداها. تعرفت على الرقعة المخيطة في أحد الجيوب كانت هي من أصلحته بنفسها حين تمزق. كان دليلا صامتا لكنه قاطعا. كانت مارينا هناك. وكانت قد ماټت هناك.
كان الوداع بسيطا. لم يكن هناك جسد بل ذكريات. صورة مكبرة لمارينا في الرابعة عشرة تبتسم بخجل بدا كأنه من عالم آخر. حضر جيران لم يذكروا اسمها منذ سنوات للتعزية. بعضهم بدموع صادقة وبعضهم بكلمات فارغة. كانت كارمن تسمع الجميع لكن ذهنها كان في مكان آخر في الماضي يعيد كل تفصيل كل قرار كل باب لم يفتح.
أعيد فتح التحقيق رسميا. قضية باردة دفنتها السنوات عادت إلى السطح. راجع المحققون الملفات القديمة واستجوبوا أشخاصا كانوا شبابا عام 1976 وأصبحوا اليوم أجدادا. كثيرون قالوا إنهم لا يتذكرون. وآخرون تذكروا أكثر مما ينبغي.
كانت لوسيا الصديقة التي ودعت مارينا عند زاوية بيلغرانو من أوائل من استدعوا. كانت تعيش في مدينة أخرى لها أبناء وحياة بنيت على طبقات من الاعتياد. حين دخلت غرفة التحقيق شعرت بأنها عادت في العمر أربع عشرة سنة. كررت روايتها الوداع المشي لا شيء غير طبيعي. لكن هذه المرة انكسر صوتها لأنها تعرف الآن كيف انتهت القصة.
بدأت أسماء تظهر همسا رجال عاشوا قرب الطريق الذي كانت مارينا تسلكه أشخاص غادروا البلدة تعليقات كانت قد رفضت آنذاك كثرثرة. الحقيقة حين تظهر متأخرة تظهر ناقصة متكسرة.
تغيرت سان فيسنتي ديل سور. ليس ظاهرا بل عميقا. صار الكلام أقصر والنظرات أطول.
لأن الهيكل
 

تم نسخ الرابط