هدموا جدار القبو… فخرج سرّ دفنته البلدة 30 سنة

موقع أيام نيوز


أيضا. كانت القائمة أطول مما يتذكره الناس. قضايا أغلقت بوصفها هروبا طوعيا أو حوادث دون چثة أو بلاغات سحبت. أنماط. صمت متكرر. قرارات سريعة لإغلاق ملفات مزعجة.
لفت انتباهه اسم إلينا بارغاس سبعة عشر عاما اختفت عام 1978. كان ملفها ضئيلا صفحة ونصف فقط. شوهدت آخر مرة وهي تخرج من عملها في مخبز بوسط البلدة. أغلق الملف خلال أقل من شهر. بلا چثة بلا مشتبهين بلا متابعة.
طلب رولدان لقاء عائلة بارغاس. وجد أختا كبرى آنا لا تزال تعيش في البلدة. حين حضر المدعي العام نظرت إليه بمزيج من الشك والأمل. مضت عقود دون أن يسأل أحد عن إلينا.
قالت آنا إن شقيقتها ذكرت مرارا رجلا يتبعها عند خروجها من العمل. لم تعرف اسمه فقط أنه أكبر سنا يرتدي دائما ثياب عمل ويبدو كأنه يعرف الجميع. وعندما ذهبت آنا للشكوى في المخفر قالوا لها إنها تبالغ وإن شقيقتها تريد ترك البلدة وإن عليها ألا تثير المشاكل.
لم يحتج رولدان إلى مزيد من الأسئلة ليرى النمط ذاته.
في تلك الأثناء بدأت كارمن تتلقى رسائل. بعضها داعم وبعضها مجهول محمل باللوم. اتهموها بأنها تنبش الماضي وتلطخ أسماء وتكسر سلاما بني خلال سنوات. كانت تقرأ كل الرسائل دون أن ترد. وللمرة الأولى منذ زمن طويل لم تشعر بالخۏف. بل بشيء أصلب تصميم.
أما لوسيا فلم تستطع أن تمنع الذنب من اللحاق بها. كانت تحلم بمارينا بزاوية بيلغرانو بطرقات تتشعب. طلبت مساعدة نفسية شيء لم تفعله من قبل. وفي إحدى الجلسات قالت بصوت مسموع ما خبأته عقودا لو أنها أصرت لو أنها تحدثت أبكر ربما كان كل شيء مختلفا. لم تمنحها المعالجة عزاء سهلا. قالت لها فقط إن الصمت نادرا ما يكون قرارا فرديا غالبا ما يكون تعلما جماعيا.
دعا رئيس البلدية إلى اجتماع طارئ للمجلس البلدي. كان الجو متوترا. اقترح بعض الأعضاء إنشاء لجنة للذاكرة والمراجعة التاريخية. ورفض آخرون بشدة بحجة عدم وجود موارد وأن نبش الماضي سيجلب الانقسام وأنه لا يجوز محاكمة الأمس بعيون اليوم.
حضر رولدان كمستمع. لم يتكلم حتى النهاية. وحين تكلم كان موجزا قال إن القرى التي لا تراجع تاريخها محكوم عليها بتكراره لا من باب الشړ بل من باب العادة. لم يصفق الجميع لكن لم يستطع أحد تفنيده.
هدم بيت إرنستو ليديسما أخيرا. لم يكن بأمر قضائي بل بقرار بلدي. رسميا لأسباب تتعلق بالسلامة الإنشائية وغير رسميا لأن أحدا لم يعد يحتمل رؤية ذلك القبو. في يوم الهدم تجمع عدد من الناس يراقبون من الرصيف المقابل. لم يتكلم أحد. حين سقط الجدار غطى الغبار الشارع كضباب كثيف. بكى بعضهم ورحل آخرون دون أن يلتفتوا للخلف.
بين الأنقاض وجد عامل شيئا آخر. لم يكن چثة ولا غرضا شخصيا. كانت ميدالية دينية صغيرة صدئة مسطحة بثقل الزمن. لم تظهر في الجرد الأول. نظر رولدان إليها بصمت. لم يستطع ربطها مباشرة بمارينا لكنه لم يستبعدها أيضا. احتفظ بها كرمز لما قد يبقى مخفيا حتى بعد قول الحقيقة.
بدأت الصحافة الوطنية تهتم بالقضية. جاء مراسلون وكاميرات وميكروفونات. بعضهم جاء بحثا عن العدالة وبعضهم بحثا عن الإثارة. رفضت كارمن أغلب المقابلات. وقبلت واحدة فقط بشرط ألا تذكر تفاصيل مزعجة. أرادت أن يتحدث عن مارينا كإنسانة لا كضحېة.
في تلك المقابلة قالت شيئا تجاوزه صدى البلدة إنها طوال سنوات قيل لها أن تتقبل عدم المعرفة وأنها تعلمت أن عدم المعرفة هو أيضا شكل من
أشكال العڼف. وأن الحقيقة لا تعيد الأموات لكنها تعيد كرامة الأحياء.
لم يبق من البيت القديم شيء. صارت الأرض خالية. ناقش المجلس البلدي ماذا يفعل بها موقف سيارات مركز مجتمعي ڼصب تذكاري كانت المناقشات حادة. لم يرد أحد فرض قرار. وأخيرا اتفقوا على شيء بسيط مساحة خضراء. شجرة. لوحة بلا أسماء كبيرة ولا كلام طنان فقط تاريخ وجملة كي لا يتكرر الأمر.
كان الافتتاح متواضعا. حضرت كارمن وحضرت لوسيا أيضا. تقدم رودريغو الشاب الذي عثر على الچثة وطلب من كارمن السماح. لم يكن يدري حتى لماذا. أخذت يده وقالت له إنه لا ذنب له وإنه بفضله عادت مارينا.
في تلك الليلة كتبت كارمن الرسالة الأخيرة. ليس لأنها لم يعد لديها ما تقوله بل لأنها شعرت لأول مرة أن صوتها لم يعد وحده البلدة بدأت أخيرا ترد.
ظلت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة بروتينات متوقعة ومشكلات يومية. لكن شيئا تغير إلى الأبد. الحقيقة حين تقال لا يمكن ډفنها بالكامل مرة أخرى. تترك دائما شقوقا يدخل منها الضوء.
وفي تلك الشقوق وجدت الذاكرة مكانا لتبقى.
جاء الشتاء إلى سان فيسنتي ديل سور بقسۏة خاصة ذلك العام. ليس بسبب البرد الذي يتسلل من جدران البيوت القديمة فحسب بل بسبب إحساس جماعي بأنهم يعيشون شيئا لا عودة عنه. لم تعد البلدة هي نفسها. وكان الجميع يعلم ذلك وإن لم يقله.
انتهت لجنة الذاكرة من عملها رسميا لكن آثارها ظلت تتسع كموجات في الماء. بدأ الأرشيف العام يستقبل زوارا باستمرار. ملفات صفراء تقارير ناقصة بلاغات أغلقت بلا تفسير. كان كثيرون يرون للمرة الأولى بأعينهم كيف صنع الصمت طوال عقود لا بفعل واحد عڼيف بل بمئات القرارات الصغيرة الجبانة.
أدخل بعض المعلمين قصة مارينا ضمن دروس التاريخ المحلي. لا بوصفها فضولا بل تحذيرا. تحدثوا عن السياق وعن المسؤولية الجماعية وعن كيف يمكن لمجتمع بأكمله أن يفشل دون أن يكون الجميع مذنبين مباشرة. كان الطلاب ينصتون باهتمام مختلف. لم تعد القصة بعيدة إنها بلدتهم شوارعهم ألقابهم.
لكن لم يكن كل شيء تأملا هادئا. ظهرت مقاومة. بدأت مجموعة صغيرة لكنها صاخبة تتحدث عن اڼتقامية وفتح جراح لا داعي لها. ظهرت كتابات مجهولة فجرا على جدار المقپرة كفى أكاذيب دعوا المۏتى يرقدون. لم يعلن أحد مسؤوليته لكن الجميع فهم الرسالة الماضي لا يزال يعض.
تلقت كارمن اتصالات مجهولة. لم تكن تهديدات صريحة مجرد صمت طويل عند الرد وأنفاس على الطرف الآخر ثم إغلاق دون كلمة. لم تبلغ. لم ترد أن تعود إلى مخفر مرة أخرى. غيرت رقم الهاتف ومضت لكن كل رنين مفاجئ كان يشد جسدها كما لو أنها عادت قاصرا.
أما لوسيا فقررت ألا تتراجع. بدأت تتعاون مع منظمة حقوقية إقليمية. كانت تسافر إلى بلدات قريبة تشارك في محاضرات وورش ولقاءات. وفي كل مكان كانت تجد قصصا مشابهة أسماء مختلفة آليات متطابقة تقريبا. فهمت أن مارينا ليست استثناء مأساويا بل جزء من نمط أوسع وأكثر إزعاجا.
في أحد اللقاءات اقترب منها رجل بعد النهاية. كان في الستين تقريبا يرتدي ببساطة. قال إنه عاش في سان فيسنتي في السبعينيات ثم غادر بعد اختفاء مارينا بقليل. لم يعد منذ ذلك الحين حتى الآن. لم يرد أن يذكر اسمه كاملا. قال فقط إنه رأى شيئا شيئا لم يجرؤ على قوله. طلب أن يتحدثا على انفراد.
جلسا في مقهى شبه خال. تكلم الرجل بسرعة كأنه يخشى أن يفقد شجاعته. قال إنه في إحدى ليالي 1976 رأى شاحنة
 

تم نسخ الرابط