يحكى انه في قرية صغيرة كان يعيش فتى يدعى نادر

موقع أيام نيوز

نظر إليها متعجبًا وقال:

"لِمَ منعتني والماء أمامي، وأنا عطشان كالمېت؟"

قالت وهي تبتسم:

"الرجولة صبر."

تجمد نادر في مكانه، شعر كأن كلماتها سهمٌ اخترق ذاكرته، فجلس مذهولًا وقال:

"كرري ما قلتِ، أسمعتِها من أحد؟"

قالت:

"هي حكمة أبي، يقول دائمًا: من صبر على لحظة العطش شرب ماء الحياة."

ثم دخلت الخيمة، وبعد قليل خرجت إليه بطعامٍ ولحمٍ مشوي، وقالت:

"كل، فإن الصبر قبل الأكل أطيب من لذة الطعام."

فلما أكل وسكن جوعه، قال لها:

"من أنتِ؟ ومن أبوكِ؟"

قالت:

"أنا رُبى بنت الشيخ سلامة، أبي يخرج كل صباحٍ ليسقي الماء بالماء، وأمي كل يوم تغضب ربها وترجع، وأخي يقاتل في الريح."

تعجب نادر من كلامها وقال:

"ما هذا الكلام الغريب؟ فسّري لي معناه."

فقالت مبتسمة:

"أبي غارس بستان بطيخٍ في الصحراء، فيسقيه بالماء، وأمي تذهب كل يوم إلى قبر أخي المېت فتندب وتبكي، فهي تغضب ربها بضعفها، وأخي الآخر صياد يطارد الغزال في الرياح. أما أنا فبقيت وحدي أصبر على غيابهم جميعًا."

ثم قالت بهدوءٍ:

"يا غريب، الصبر هو لباسُ الرجال، من صبر على الجوع نال الرزق، ومن صبر على الظلم نال العدل، ومن صبر على الحب نال المودة، ومن صبر على الطريق نال الوصول."

حين سمع نادر كلامها، انكشف له معنى الكلمة التي طاردته سنينًا، وعرف أن الرجولة ليست مالًا ولا جاهًا، بل ثباتًا على الطريق مهما طال.

عاد إلى قريته، ووقف على باب عمّه وقال له بصوتٍ مفعمٍ بالسکينة:

"يا عمّي، الآن فهمت. المال مفقود، والصبر موجود، والزهر محدود، فإن رأيتني أهلًا لبنت الجود، فزوّجني بها."

ابتسم عمّه لأول مرة منذ سنين وقال:

"الآن صرتَ رجلًا. من صبر على الشدة عرف معنى الرجولة. خذها فهي لك."

تزوج نادر من ليلى، وعاشا عمرًا سعيدًا، وكان إذا جلس بين أبنائه قال لهم:

"تعلموا يا أولادي أن الرجولة ليست في الصوت العالي، ولا في كثرة المال، وإنما في الصبر على ما يؤلمكم دون أن تفقدوا الحق."

إلى القارئ العزيز:

كل قلبٍ مرّ بابتلاءٍ يحمل في داخله رجولةً نائمة تنتظر أن توقظها الشدائد. لا تستعجلوا الثمر قبل نضجه، فكلّ ما تأخر جاء أجمل، وكلّ ما صبر عليه المرء كان له نصيبٌ.

إذا اعجبتك القصة فلا تنسي مشاركتها وصلي علي نبينا وحبيبنا محمد صلي الله عليه وسلم في التعليقات

تم نسخ الرابط