يحكى انه في قرية صغيرة كان يعيش فتى يدعى نادر

موقع أيام نيوز

يحكى انه في قريةٍ صغيرةٍ كان يعيش  فتى يُدعى نادر بن عاصم، لم يكد يبلغ العاشرة من عمره حين ماټ أبواه، فاحتضنه عمّه حماد، رجلٌ صلبُ القلب، كريمُ اليد، شديد في تربيته، لكنه كان يحب نادرًا حبًّا دفينًا لا يُظهره.

ربّاه على الصدق والعمل، وأدّبه بأدب الرجال، فكان يوقظه قبل شروق الشمس ليعينه على رعاية الإبل وسقي الزرع، ثم يرسله إلى الكتّاب ليتعلم القراءة والحساب. كان نادر ذكيًّا، وفي قلبه حلمٌ كبير، فقد كان يرى ابنة عمه ليلى كلما جاءت بالماء من البئر، وكانت فتاةً كالقمر، نقية الوجه، فيها حياءٌ وسکينة، وكانت ترد عليه السلام في خفرٍ خجول، حتى كبر الحب في قلبه دون أن ينطق به.

وذات مساء، بعدما بلغ نادر العشرين، دخل على عمّه وقال له بثباتٍ وحياء:

"يا عمّ، قد ربيتني صغيرًا وأكرمتني كبيرًا، ولست أطلب من الدنيا غير أن تكون ليلى زوجةً لي، فقد أحببتها كما يحب القلب نفسه."

نظر إليه عمّه طويلاً، ثم قال بصوتٍ فيه صرامة:

"يا نادر، إن الزواج لا يكون بالعاطفة وحدها، بل بالرجولة، والرجولة صبر. عد حين تصير رجلاً تعرف الصبر."

كانت تلك الكلمات كالسهم في صدر نادر، خرج من المجلس ودمعةٌ تترقرق في عينه، ثم حزم متاعه وغادر القرية عازمًا أن يثبت لعمه أنه أهلٌ للزواج من ليلى.

سافر إلى بلادٍ بعيدة، عمل في الأسواق، وعرق في المناجم، وتعلم صنعة الجلود، وبدأت تجارته تكبر حتى صار له شأن، وبعد خمس سنوات عاد إلى قريته وقد تغيرت ملامحه، أشد جسدًا وأقوى عودًا، فذهب إلى عمّه ومعه صناديق من المال والهدايا.

قال له:

"ها أنا ذا يا عم، جئت بما وعدت، معي من المال ما يكفيني ويكفي ابنتك عمرًا، فزوّجني ليلى."

لكن عمّه أجابه بنفس الهدوء:

"ما زلت لم تبلغ الرجولة، والرجولة صبر."

ڠضب نادر وقال:

"ما معنى هذا يا عمّي؟ أما ترى مالي وعملي وسعيي؟"

قال حمّاد:

"المالُ يُكسب، والرجولةُ تُختبر، فارجع يا نادر، وتعلم الصبر، فإن الرجولة ليست في الذهب ولا في الجاه، بل في احتمال الشدائد دون أن تضعف النفس."

خرج نادر مغضبًا، وسافر مرة أخرى، وهذه المرة إلى الصحراء الكبرى، حيث التجار يسلكون دروب المۏت من أجل الربح، وهناك خاض التجربة تلو الأخرى، ونجا من عطشٍ كاد ېقتله، ومن لصوصٍ كادوا يسلبونه، حتى جمع أضعاف ماله الأول.

عاد بعد سبع سنين إلى عمّه، بثوبٍ من الحرير، وخاتمٍ من الفضة، ووجهٍ يلوح عليه أثر التعب والمغامرة، وقال له:

"يا عمّ، جئت بما لم يأتِ به أحد، ومعي المال والخدم والإبل، فزوّجني ليلى."

لكن العم أجابه للمرة الثالثة بنفس الكلمات:

"لم تبلغ الرجولة بعد، والرجولة صبر."

حينها شعر نادر أن قلبه ېتمزق، وترك كل ما معه، وخرج هائمًا في الصحراء، لا يعرف طريقه، ولا هدفه، سوى أنه يريد أن يفهم معنى تلك الكلمة التي كسرت قلبه: الرجولة صبر.

سار أيامًا بلا زادٍ ولا ماء، حتى أرهقه الجوع والعطش، فرأى في الأفق خيمةً صغيرةً عند بئرٍ يتلألأ ماؤه تحت شمس المغيب. اقترب وهو يلهث، وقال بصوتٍ متقطع:

"يا أهل الخيمة، أعينوني، فالعطش كاد يهلكني."

خرجت إليه فتاةٌ في ربيع عمرها، تحمل قربة ماءٍ في يدها، وجهها كنسمة المساء، فقالت برقة:

"خذ اشرب."

فأخذ القربة ووضعها على فمه ليشرب، لكنها ما لبثت أن سحبتها منه بسرعة.

تم نسخ الرابط